ابن كثير
146
البداية والنهاية
وقال : إني عازم على المقام بالشام ، ثم رجعت أنا إلى بلدي بلخ كسائر الضعفاء حتى رجعنا إليها ولم أسأله عن اسمه ، فكان ذلك أول أمري . وروي من وجه آخر فيه نظر . وقال أبو حاتم الرازي : عن أبي نعيم ، عن سفيان الثوري قال : كان إبراهيم بن أدهم يشبه الخليل ، ولو كان في الصحابة كان رجلا فاضلا له سرائر وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يديه . وقال عبد الله بن المبارك : كان إبراهيم رجلا فاضلا له سرائر ومعاملات بينه وبين الله عز وجل وما رأيته يظهر تسبيحا ولا شيئا من عمله ، ولا أكل مع أحد طعاما إلا كان آخر من يرفع يده . وقال بشر بن الحارث الحافي : أربعة رفعهم الله بطيب المطعم ، إبراهيم بن أدهم ، وسليمان بن الخواص ووهيب بن الورد ، ويوسف بن أسباط . وروى ابن عساكر من طريق معاوية بن حفص قال : إنما سمع إبراهيم بن أدهم حديثا واحدا فأخذ به فساد أهل زمانه . قال : حدثنا منصور ، عن ربعي بن خراش قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس قال : " إذا أردت أن يحبك الله فابغض الدنيا ، وإذا أردت أن يحبك الناس فما كان عندك من فضولها فانبذه إليهم " وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو الربيع عن إدريس قال : جلس إبراهيم إلى بعض العلماء فجعلوا يتذاكرون الحديث وإبراهيم ساكت ، ثم قال : حدثنا منصور ثم سكت فلم ينطق بحرف حتى قام من ذلك المجلس : فعاتبه بعض أصحابه في ذلك ! فقال : إني لأخشى مضرة ذلك المجلس في قلبي إلى اليوم . وقال رشدين بن سعد : مر إبراهيم بن أدهم بالأوزاعي وحوله حلقة فقال : لو أن هذه الحلقة على أبي هريرة لعجز عنهم . فقام الأوزاعي وتركهم . وقال إبراهيم بن بشار : قيل لابن أدهم : لم تركت الحديث ؟ فقال : إني مشغول عنه بثلاث ، بالشكر على النعم ، وبالاستغفار من الذنوب ، وبالاستعداد للموت ، ثم صاح وغشي عليه فسمعوا هاتفا يقول : لا تدخلوا بيني وبين أوليائي . وقال أبو حنيفة يوما لإبراهيم بن أدهم : قد رزقت من العبادة شيئا صالحا فليكن العلم من بالك فإنه رأس العبادة وقوام الدين . فقال له إبراهيم : وأنت فليكن العبادة والعمل بالعلم من بالك وإلا هلكت . وقال إبراهيم : ماذا أنعم الله على الفقراء لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم ، إنما يسأل ويحاسب هؤلاء المساكين الأغنياء . وقال شقيق بن إبراهيم : لقيت ابن أدهم بالشام وقد كنت رأيته بالعراق وبين يديه ثلاثون شاكريا . فقلت له : تركت ملك خراسان ، وخرجت من نعمتك ؟ فقال : اسكت ما تهنيت بالعيش إلا ههنا ، أفر بديني من شاهق إلى شاهق ، فمن يراني يقول هو موسوس أو حمال ( 1 ) أو ملاح ، ثم قال : بلغني أنه يؤتى بالفقير يوم القيامة
--> ( 1 ) في صفة الصفوة 4 / 155 : جمال .